قصة قصيرة مستوحاة من حادثة استشهاد الشيخ أحمد ياسين

الشيخ أحمد ياسين

الشيخ الجليل أحمد ياسين

صلى الشيخ أحمد ياسين العشاء وجلس فى مصلاه يسبح اللّه جال بخاطره حوارا دار بينه وبين أحد شباب الحركة الإسلامية منذ أيام : يا أستاذنا نحن رتبنا لك مكانا لنبعدك فيه عن الرصد حتى تهدأ الأحوال فقد نما الى علمنا أن عدو الله شارون قد رصد مكافأة كبرى لأفراد جهاز الأمن الذين كلفهم باصطياد قادة المجاهدين وقد ذكر أنه هذه المرة قال : أنا لن أرضى هذه المرة بغير رأس أحمد ياسين (ودمعت عينا المتحدث)انهم عازمون على استهدافك هذه المرة
قال الشيخ : ياأخى لا فرار من قدر الله  وكما تعلم ان نريد الا احدى الحسنيين وما هى الا ميتة واحدة فان تكن الشهادة فتلك أسمى أمانينا …فنحن لانريد الحياة الفانية .. ان الحياة الحقيقية هناك يا ولدى ..يقول الله عز وجل (وان الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون)
رد محدثه والعبرات تخنقه…. ولكننا بحاجة اليك فأنت قائدنا ومعلمنا
رد الشيخ: يابنى ان يكن الله قد اختارنى للشهادة فتلك مكرمة لى ولكم .. ولله در القائل

( ان كلماتنا عرائس من شمو ع فان متنا فى سبيلها … دبت فيها الحياة ).

رفع الشيخ يديه متضرعا : يارب قد طال انتظارى ..اللهم لاتحرمنى كرامتك … اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها … واجعل خير أيامنا يوم لقاءك …اللهم طال شوقى فاجعل أسعد أيامى يوم ألقاك .. اللهم اجعله يوم فرح لاحزن بعده .. واجعله يوم سرور لا نكد بعده…. واجعله يوم نعيم لابؤس بعده يارب يارب اللهم اجعل موتى شهادة فى سبيلك … واجعل دمائى عزا للمسلمين .. واجمعنى مع الأحبة .. محمدا وحزبه .. اللهم ارزقنى الشوق الى لقاءك فى غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ….. يارب يارب يارب….
أخذ الشيخ يرددها وعينه تهطل بالدموع ظل على هذه الحال فترة حتى غلبه النوم وهو على كرسيه بالمسجد ولم يشعر الا بيد توقظه …. 
قال لمحدثه هل نمت كثيرا ؟ قال : بعض الوقت ولولا أنى تذكرت انك لم تأخد أدويتك هذه الليلة ما أيقظتك حتى تأخذ قسطا من الراحة فقد أتعبناك فى المشاورات الليلة الماضية
رد الشيخ : ياأخى جزاك الله خيرا أنا أشعر بنشاط عجيب ولا حاجة لى بالدواء الآن 
ولكن ينبغى أن تأخذ دوائك فقد أكد الطبيب
قاطعه الشيخ قائلا : فقط اريدك أن تساعدنى لأتوضأ فأنا أريد أن أصلى 
فرغ الشيخ من وضوئه وهم بأن يبدأ الصلاة… واذا بأحد الشباب يدخل المسجد متجها صوب الشيخ وانتحى بالشيخ جانبا وأخذا يتحادثان قرابة الساعة ….. يبدو أنه كان يحمل له رسائل أو كان يشاوره فى بعض الأمور … بعد ذلك شرع الشيخ فى الصلاة .. وكان الحضور بالمسجد فى هذه الساعة وهم مرافقوا الشيخ بالاضافة الى الرجل الذى حضر لمشاورة الشيخ فى بعض الأمور قد أخذ كل منهم مكانا بالمسجد لصلاة التهجد
وشرع الشيخ فى صلاة التهجد وهو جالس على كرسيه المتحرك يصلى ركعات يقطعها أحيانا بالدعاء والتضرع الى الله 
اقترب أحد الحضور بالمسجد من زميل له وجلس خلفه منتظرا حتى انتهى من صلاته وأخذا يتهامسان 
الأول : أنا أخشى وقوع مكروه للشيخ فمنذ صباح الأمس لم يهدأ أزيز المروحيات محلقة بالمنطقة بين حين وآخر
الثانى : صدقت وقد لاحظت أنها عاودت التحليق منذ حوالى ساعة تقريبا ولم تهدأ فماذا نحن فاعلون؟
الأول : لقد حاولنا ابعاد الشيخ الى مكان آمن فرفض هذا الاقتراح وطلبنا منه على الأقل أن يبقى فى بيته هذه الأيام ولا يخرج لصلاة الجماعة فقال : ماأنا بالذى يتخلف عن صلاة الجماعة ثم ان خروجى للصلاة أمر هام لأستطيع مقابلة الناس وحثهم على الصبر والثبات وذلك خير عندى من الاحتجاب عنهم ثم ان قدر الله محيط بنا لافرار منه
الثانى : أكرمه الله من مجاهد جليل ولطالما نتعلم منه كل يوم درسا جديدا…فكيف يكون تصرفنا اذا شعرنا بشئ لا قدر الله
الأول : مبدأيا يجب ألا يخرج الشيخ من المسجد حتى نطمأن تماما من أمن الطريق ثم بعد ذلك فنحن معه ولن نألو جهدا فى حمايته باذن الله …..ثم أطرق مفكرا
بعد هنيهة سأله زميله الثانى : فيم تفكر ؟
الأول : الشهادة …. نعم أيكون الله قد كتبنا عنده من الشهداء … ان يكن فهنيئا لنا
الثانى : اللهم بلغنا اياها وألحقنا بالأحبة محمدا وحزبه 
الأول : اللهم آمين
وفى مكان آخر من المسجد تنحى أحد الحضور جانبا يستغفر الله ويناجى ربه 
يارب اللهم انى أسألك الشهادة فى سبيلك مقبلا غير مدبر …. اللهم جد على ياكريم …..يارب اللهم لقنا الأحبة محمدا وحزبه …يارب 
الله أكبر الله أكبر ….. الله أكبر الله أكبر أرتفع صوت المؤذن مؤذنا بميلاد فجر جديد على غزة الأبية وكانت صحبة الشيخ المتواجدة بالمسجد فى تلك اللحظة مابين مسبح لله ومبتهل ومستغفر …… حتى بدأت جموع الناس تتوافد على المسجد لصلاة الفجر
قام أحد مرافقى الشيخ بسحب عربته ليقيمه فى الصف الأول ….وما أن فرغ الامام من صلاة الفجر وانتهى المصلون من ختام الصلاة حتى أقبل الناس الى الشيخ للسلام عليه وهذه كانت عادته عقب الصلوات أن يبقى فى بيت الله يسلم على الناس ليبقى منهم من له حاجة لدى الشيخ وينصرف من ينصرف مابين رجل يبث خبرا سمعه عن أحوال المسلمين طالبا تعليق الشيخ …. أو سائل عن أمر …أو مسر له بكلمة ليشاوره فى أمر ما أومستفسر عن صحة الشيخ هكذا حتى يمضى كل الى شأنه بعدها يستعد الشيخ مع رفقته للانصراف .. هكذا كان دأبه مع الناس بالمسجد …وفى ذلك اليوم لم يتغير شئ مما اعتاد الشيخ والناس عليه من لقاءه المعتاد بهم عقب الصلوات …اللهم الامن تهامس البعض عن ملاحظته للمروحيات التى تجوب المنطقة منذ الأمس بيد أنهم لتكرار هذا الأمر لم يعودوا يلقون اهتماما كبيرا لمثل هذه الأمور ..بعد أن انصرف أغلب الناس من المسجد لم يبق الا الشيخ وصحبة لاتتجاوز عددهم أصابع اليد أغلبهم ممن قضى الليلة بالمسجد مع الشيخ …عندما قال أحد الشباب : السيارة التى ستقل الشيخ جاهزة بالخارج وأرى أن ننطلق الآن قبل أن يبدأ ضوء النهار بالظهور 
قال الشيخ : توكلنا على الله ..وكان الذين خرجوا مع الشيخ فى تلك اللحظة ثمانية أفراد كلهم كانوا يتسابقون لحمل عربة الشيخ ومساعدته فالجميع فى غزة جمعاء وليس فى حماس وحدها يعتبرونه أبا لهم أو أخا لهم … معلما وان شئت فقل قائدا 
على قدر ما كان يقلقهم الاهتمام لصحته ورغبتهم فى أن يستريح بقدر ماكان يسعدهم رؤية محياه بابتسامته الأبوية الحانية الودود التى كانت تشعرهم بالأمل وتبث فيهم طاقة كبيرة فهو على رغم من ظروفه الصحية سباق إلى طاعة الله ….. وجوده بينهم يبعث فيهم طمأنينة ..كطمأنينة الابن الى والده هكذا كان الشيخ بالنسبة اليهم … أما هم فكانوا بالنسبة إليه حياته لايجد راحته الا بينهم فهم أهله واخوانه وأحبابه الذين شاركهم همومهم وشاركوه فى غايته عليهم يعلق أمالا كبيرة ليخرجوا بأمتهم من وهنها ويبعثوا فيها الروح بعد أن كادت أن تخمد …ويضربوا المثال
نظر اليهم الشيخ نظرة ود وهم ملتفون حوله لم تجمعه بهم مصالح الدنيا ولارغائبها وانما جمعتهم رغبة واحدة فى نيل رضا الله جل شأنه ….
كان الشارع قد خلا من المارة فى تلك اللحظات وعم المكان سكون عجيب وكان الشيخ وصحبته فى تلك اللحظات قد خرجوا من المسجد صوب السيارة التي ستقل الشيخ وكان الشيخ في تلك اللحظة قد أطلق العنان لأفكاره مبتسما وجهه لكن فكره كان فى مكان آخر بيد أن وجهه قد أشرق من البشر اشراقة الصبح … وفجأة أخرجه من تفكيره سماع دوى المروحيات تهز أرجاء المكان … رفع الجميع رؤوسهم … إنها تقترب .. صاحوا جميعا لنرفع العربة بالشيخ الى السيارة …اختلطت أصواتهم وصيحاتهم بأزيز الطائرات المدوي الذي اقترب أكثر وأكثر … أخذ الشيخ يردد في نفسه : أشهد أن لا اله الاالله وأشهد أن محمدا رسول الله ووسط هذه الضجة التى عمت أرجاء المكان رفع الشيخ راسه الى السماء وهو محمول على عربته بين يدى إخوانه ..في هذه اللحظة ارتفعت أصوات مدوية وشعر الشيخ أحمد ياسين بوخز أصاب رأسه رأى على أثره لونا أحمر يغطى المكان فأغمض الشيخ عينيه لهنيهة وفتحها فإذا بعينه التى لم تكن تبصر قد احتد بصرها … قال لنفسه ما هذا…؟
لقد رد الله على بصرى ..أغمض عينيه مرة أخرى وفتحها فاذا هى تطل على مشهد لم تره عينه جمالا مثله من قبل
وإذا به قد ترك كرسيه المتحرك وأصبح يمشى نعم انه يمشى ويحرك جسده كأصح ما يكون .. انه ليس فى حلم انها حقيقة انه يتحرك ويمشى نظر أمامه فإذا بجموع غفيرة من الوجوه المشرقة قد تلقفته وسط تغريد لم تسمع أذنه مثله من قبل وبينما هو كذلك إذ سمع نداءا يتردد صداه فى أرجاء المكان بأعذب صوت سمعه وأندى لحن أطل على مسمعه :يا أحمد ياسين أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك لقد نلت ما تمنيت ورزقك الله الشهادة وهاهم إخوانك الذين سبقوك قد أقاموا لك احتفالا بقدومك …استبشر وجه أحمد ياسين تمنى في هذه اللحظة أن يسمع هذا النداء العذب وتلك البشرى مرة أخرى ولم يكد يفكر في هذا الأمر حتى سمع البشرى مرة أخرى بصوت أعذب من الأول كتغريد عندها شعر بأن كل ذرة فيه تحمد الله قال : الحمد لله الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن ان ربنا لغفور شكور .. ونظر في الجمع الغفير الذي حوله فوجد إخوانه من شهداء فلسطين الذين عرفهم وعرفوه ممن سبقوه إلى الشهادة على وجوههم البشر فهاهو يحي عياش مقبلا في حلة بهية وهاهو صلاح شحادة … اسماعيل أبو شنب ..وغيرهم الكثير ممن عرفهم فى الدنيا وسبقوه الى الشهادة كلهم يقول له مرحبا بك لطالما اشتقنا إليك …الحمد لله الذى أذهب عنك الحزن وأحلك دار المقامة من فضله …. قال لهم ولكني لم أشعر أنني مت ولم أتذكر ألما أصابني مما يعترى الموتى مما كنا نعرفه حال احتضار الموتى اللهم إلا من وخزة بسيطة أصابتني للحظة قبل أن أصل إليكم ..وعندها تبسم جميع من حوله فكلهم شعروا بنفس الشعور بعدما وصلوا الى هنا فرد أحدهم .. : ألم يقل نبينا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم مبشرا : مايجد الشهيد من مس القتل الا كما يجد أحدكم من مس القرصة ..
عندها رفع أحمد ياسين يديه قائلا يا ليت قومي يعلمون ….بما غفر لى ربى وجعلني من المكرمين … يارب اللهم أبلغ عنى كل مسلم عاصر قتلى عامة واخوانى فى أرض الرباط الذين لم يلحقوا بنا خاصة ماأنا فيه من الكرامة وأن جسدى المحطم الذي شاهدوه ماهو إلا صورة ليعتبروا بها وانى ماوجدت حقيقة من ذلك كله الاوخزة أصابت رأسي لثوان بعدها أحللتني دار المقامة ونقلتني إلى محل كرامتك ولقيتني الأحبة ….يا رب 
فسمع صوتا يناديه أن الله أبلغ عباده يا أحمد عنك وعن جمع الشهداء السابقين واللاحقين بما أنتم عليه من الكرامة فقال سبحانه فى كتابه : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون )
ورفع رأسه فاذا بقصر عظيم يفتح أمامه فدخله محاطا برفقائه الذين تلقوه وإذا برجل جميل الطلعة مهاب المحيا مقبل عليه فسأل إخوانه من هذا فقالوا : انه حمزة بن عبد المطلب جاء ليرحب بك ويأخذك لملاقاة المصطفى صلى الله عليه وسلم فاعتنقه حمزة رضي الله عنه : وقال طالما اشتقنا إليك وسار الى جانبه فى هذا الحفل البهيج وحولهم سارت جموع الشهداء وجموع الملائكة مرحبين مسبحين محتفلين بمقدم أحمد ياسين عليهم وبينما هو بينهم إذ سمع ذلك الصوت العذب الذي سمعه من قبل يناديه : يا أحمد ياسين أن الله يطلب منك أن تتمنى عليه فأطرق لحظة ثم قال : وددت أنى أرد إلى الدنيا فأقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل في سبيل…)”

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s